الخميس، 9 يوليو 2009

رحلة إلى عالم الشتات الحضرمي في جنوب شرق آسيا

بدأ اهتمام مايكل غيلسنان بحضرموت والشتات اليمني في جنوب شرق آسيا منذ عام 1959م، وذلك عندما قدم للعمل كمدرس وهو في التاسعة عشر من عمره، في كلية عدن في المنطقة التي كانت تعرف باسم مستعمرة التاج عدن والمحميات، وقد جاء إليها وفق وصفه ك‍أداة من أدوات الإمبراطورية الآفلة،
لاحظ غيلسنان أثناء عمله في الكلية مجموعة من الطلاب الحضارمة يتحدثون الاندونيسية أو المالاوية، وغيرهما من لغات جنوب شرق آسيا، ولفت انتباهه أيضا حنينهم إلى العودة إلى كوالالمبور وأضواء سنغافورة بعيدا عن الحياة الجافة في عدن، كما لاحظ اختلافهم في ما يتعلق بالأطعمة التي يتناولونها وارتدائهم للإزار الشائع كزي عن سكان الملايو، بالإضافة إلى ملامحهم الآسيوية.
ومن هنا بدأ اهتمامه بالهجرة الحضرمية إلى كل من ماليزيا واندونيسيا وسنغافورة، وزار تلك البلاد أكثر من مرة للتعرف على أوضاع الشتات العربي هناك، وجعلته التغيرات التي حدثت في حياة هذه المجموعة يضع وصف "عربي" بين قوسين، حيث يقول على سبيل المثال: زرت صديقاً "عربياً" في كوالالمبور.
ظل العرب يسافرون إلى شرق آسيا منذ قرون، وقد استقروا بصورة أساسية في المناطق التي يطلق عليها حالياً اسم ماليزيا وسنغافورة واندونيسيا.
وعبارة "استقروا" لا تعتبر وصفاً دقيقاً للوضع، حيث كانوا يتنقلون من مدينة إلى أخرى، ومن جزيرة إلى أخرى وفق ما لديهم من ارتباطات، وما تفرضه الأسواق، وتوزيع البضائع، والفرص المتاحة أو التوجيهات الصادرة عن الوالد رب الأسرة.
وأغلبية هؤلاء العرب قدموا من منطقة حضرموت، في جنوب شرق اليمن، التي كانت حتى عام 1967 تحت الحكم البريطاني كجزء من محميات شرق عدن.
والعديد من الحضارم انتقل في البداية إلى الهند، حيث استقروا في الجنوب الغربي من البلاد أو مقاطعة غوجورات، على سبيل المثال، وقال لي صديقي السنغافوري "العربي": "كل أفراد أسرتنا لديهم ملامح هندية" وأطلعني على صور قديمة لهم، أما الآخرون فقد انتقلوا إلى مئات الجزر في أرخبيل الملايو، حاملين معهم رؤوس أموالهم وأزيائهم ومطبخهم الخاص وعاداتهم.
اختلاط ومصاهرة
ذهب الحضارم إلى تلك البلاد كبحارة وباعة جوالين وتجار من كل نوع ومجال، مثل تجار الأقمشة والبهارات، كما جاء الدعاة والأساتذة، وفي بعض الأحيان جميع هذه الفئات المذكورة ضمن أسرة واحدة، والقليل منهم تزوجوا من اسر السلاطين المحليين وغيرهم من اسر النبلاء، خاصة إذا كانوا يحملون صفة "السادة" أي أنهم ينحدرون من آل الرسول محمد (صلى الله عليه واله وسلم).
وهناك بعض الأسر تروي قصصاً غريبة حول الظروف التي مرت بها مثل غرق السفينة التي أتوا على متنها، أو استرقاقهم أو الاعتراف بهم وزواجهم من بنات أمير من الأمراء، غير أن معظمهم دخلوا في زيجات عادية، وفي بعض الأحيان تكون الزوجات من مجموعة إثنية مختلفة، وقد نتج ذلك لانتقالهم إلى منطقة أخرى للتجارة في مقاطعات كيداه وتيرنغانو، وباهانغ، وجوهور ورياو وسنغافورة.
والى مدن باليمبانغ، واتشى وميدان وديلى، ولامبونغ في سومطرة، أو في ساحل جاوا الشمالي، حيث تجمع العرب فيما كان يعرف باسم باتافيا اي جاكرتا الحالية، وسيربون وبيكالونغان، وسيما رانغ، وسورابايا، كما ذهبوا بعيداً من ذلك إلى سولاويس وجزر مالوكو، وتيمور الشرقية.
وقد احدث هذا الشتات والتوّزع تنوعاً في تركيبة الأسر وقراباتها، ولذا فإنني عادة ما أضع كلمة عربي بين قوسين أي "عربي" للتعبير عن ذلك التغير.
وقد فعلت شبكة العلاقات الاجتماعية والتزاوج والتغيرات الديموغرافية فعلها، وباتت الأسر عند متابعة الأصول التي تنحدر منها تشير إلى أصولها من ناحية الأب كما من جانب إلام للوصول إلى الجانب العربي في الأصل، وقال لي صديق "نحن من آل العطاس ولكننا في الواقع ننتمي أكثر إلى السقاف لأننا نشأنا في أسرة والدتي"، وكثيرا ما ينتقل العريس عادة للعيش مع أسرة الزوجة، وهذا أيضا يعتبر نوعا من التغيّر في العادات بالنسبة لهم.
أسماء ولغات مختلطة
البعض يختار أسماءً جاوية أو ملاوية بدلا من الأسماء العربية التقليدية مثل محمد بن احمد بن حسين، وهو أمر يُعتبر غريبا بالنسبة لسكان منطقة جنوب شرق آسيا الذين يستخدمون اسما واحدا من دون إلحاق "اسم العائلة" به، وعليه قد يتحوّل حامد إلى ويتو، كما أن مجموعة من الإخوة قد تختار تغيير أسمائها بينما يحتفظ الإخوة الآخرون بأسلوب التسمية العربية التقليدية، كما انتشرت أيضا الألقاب وإطلاق الأسماء المحببة، ونادرا ما يتم استخدام الأسماء الأصلية التي قد ينساها معظم الناس.
وينشأ الأطفال وهم يتحدثون واحدة أو أكثر من اللغات العديدة السائدة في المنطقة، مثل المادوريسية أو السوندانيسية أو المينانغوكابو أو الجاوية (بل حتى إحدى اللهجات الصينية إذا كانت الأم ذات أصل صيني)، وفي القرن العشرين كانت هنالك أيضا اللغات الوطنية الجديدة المالاي وباهاسا اندونيسيا، وقد تم استيعاب العديدين استيعابا كاملا.
امرأة من "12 صلة دم"
وساعد التصنيف الاستعماري الإثني للمجموعات المختلفة، بالإضافة إلى القيود المفروضة في ما يتعلق باللباس ومنطقة السكن وتجمع المهاجرين في منطقة واحدة، في خلق مجموعة مختلفة "عربية"، وحافظ على استمرارها، وذلك بالرغم من أن الواقع السائد كان يقوم على التزاوج المختلط، وتغيرت السحن واختلطت الدماء إلى الدرجة التي أطلعتني فيها امرأة اندونيسية مُسنة على أصولها التي تنتمي إلى "12 صلة دم"، وكل صلة دم تظهر بوضوح، وفق روايتها، في سمة من سماتها الجسدية، مثل لون البشرة، ونوع الشعر، وشكل العين، وبنية الجسد ونحو ذلك، و"الشبه العربي" أو عدمه يُشكل مصدر نقاش ويدور حوله الحديث الذي يجري بودّ ويتحول إلى حدة أحيانا.
وسارت حياة المهاجرين بطريقة عادية تحت الحكم الاستعماري، حيث ظلوا يتعاملون مع السلطات القائمة مهما كانت، ولكن في وقت لاحق وإبان فترة النضال من اجل الاستقلال وما بعدها فإن هذا الأمر جعلهم أحيانا يدفعون الثمن، فقد ندد الوطنيون بمن عملوا مع البريطانيين والهولنديين ووصفوهم بأنهم أصدقاء المستعمرين وليسوا اندونيسيين أو سنغافوريين أو مالاي حقيقيين.
وقد ارتبط العرب في الأذهان عامة بأنهم يعملون في مجال إقراض المال، وبامتلاك الأراضي والعقارات، وبعلاقاتهم مع الهولنديين في اندونيسيا، بيد أن بعض العرب استهتروا أيضا بدورهم الوطني وهناك قلة منهم من الشيوعيين والإسلاميين الإصلاحيين المعادين للمستعمر.
وإذا كانت النخبة قد اضطرت إلى تعلم اللغة الاندونيسية، بما أنها نشأت وهي تتحدث الهولندية وقد جعلها هذا الأمر في خلاف مع سوكارنو، بطل الحركة الوطنية الاندونيسية، ففي ماليزيا وسنغافورة، حيث يشكل العرب أقلية ضئيلة، تختلف النظرة التاريخية النمطية، فهي أقل سلبية وأهمية.
الشتات والإسلام
وهناك خلاف كبير يدور حول درجة الدور الذي لعبه العرب في عملية أسلمة المنطقة ذات التاريخ الطويل المضطرب منذ أواخر القرن الثالث عشر، فالدارسون يرون أن المصدر هو جنوب الهند ولكن يُنظر إلى العرب على أنهم حملوا معهم لغة القرآن، وأنهم أدوات نقل العقيدة الدينية ونصوصها، فقد أتوا من قلب عالم الإسلام، أي ما يُطلق عليه الاندونيسيون عادة مركز العقيدة، مقارنة بوضعهم في تخومه أو أطرافه، ولكنهم بعد ذهابهم إلى ذلك المركز للحج غالباً ما يجدون التخوم أكثر تحضراً من المركز.
والعديد من الحضارم من منطقة جنوب شرق آسيا عملوا في مجال الدعوة والتدريس، والعديد منهم مازالوا يقومون بذلك، ولكنهم يشكلون أقلية صغيرة ضمن الدائرة الأوسع من الاندونيسيين المتخصصين في الشؤون الدينية، وهم أيضا يحملون صفة حملهم للأصول، خاصة إذا ما كانوا قد تلقوا تأهيلهم في الأزهر بالقاهرة أو في مكة أو المدينة.
وهنالك بعض المدارس الداخلية الدينية التي عادة ما تعرف بأنها أكثر محافظة ويقوم بالتدريب فيها أساتذة دين من أصول عربية، ويأتي الطلاب إلى هذه المدارس من جميع جزر الأرخبيل للدراسة تحت إشراف أستاذ مشهور، والرحيل إلى مصادر العلم يعد جزءا مهماً في تلك المرحلة من العمر، والعلاقات التي تقام في تلك المدارس غالبا ما تستمر لسنوات، وكذلك التوقير الذي يكنه الطلاب لشيخهم الذي تلقوا العلم على يديه.
وتتوزع أضرحة الأولياء من المشايخ عبر الجزر، وهناك ضريح لوار باتانغ، على سبيل المثال، الذي يعود إلى الثلاثينات من القرن الثامن عشر، والذي يزوره الناس سنويا، كما تأتيه موجة يومية من الزوار الباحثين عن البركة والعون الإلهي، وفي الساحل في جاكرتا هنالك ضريح يتعرض لفيضان المياه، ويذكر الناس حكايته بأنه عند وفاة الولي برزت جزيرة من الرمل من باطن البحر، واتفق حملة نعشه على دفنه هناك، حيث اجتمعت وتمازجت العناصر في شكل عجائبي، وموقع لوار باتانغ حيث تتغير العناصر والحدود له بُعدٌ آخر فهو يضم ضريحين آخرين للسيد حسين العطاس ورفيقه عبد القادر، وهو صيني اعتنق الإسلام ودفن إلى جواره.
وقال السيد العطاس إن من لا يزور ضريح عبد القادر، فإن زيارته لي كأنها لم تكن، والعديد من رجال الأعمال الصينيين يزورون ضريحه لجلب الحظ، وفق ما ذكره القائم على الضريح، وتناول احد الزوار مسألة إدارة المسجد وتوزيع الأموال، وعملية توسعة الضريح وبقية القضايا التقليدية اليومية.
العلاقات العربية-الصينية غالبا ما كانت، بل وما زالت، على المستويين الشخصي والمهني، تقوم على التعاون، وذلك على الرغم من القول الشائع إن الانهيار الاقتصادي للعديد من الأسر العربية جاء نتيجة المنافسة الصينية، التي أخذت على سبيل المثال، موقعهم في مجال إنتاج الباتيك.
وهذا التشابك المعقد للتواريخ والثقافات برز لي عندما عملت في التدريس لعام فيما كان يعرف بمستعمرة التاج عدن والمحميات، حيث ذهبت إلى حضرموت عام 1959، وعمري 19 عاماً كأداة من أدوات الإمبراطورية الآفلة، وقد دهشت أن أجد أن الطلاب في كلية عدن القادمين من حضرموت يتحدثون في ما بينهم بالاندونيسية والمالاوية وغيرهما من لغات جنوب شرق آسيا، وأنهم كانوا يبدون ضيقهم لأنهم قابعون هنا، وليس في جاكرتا وسنغافورة يستمتعون بوقتهم، وأنهم كانوا يتناولون أطعمة تكثر فيها البهارات، وأنواع مختلفة من أطباق الأرز، ويرتدون الإزار و"يشبهون المالاي".
وبعد مضي 40 عاماً من ذلك قررت العودة إلى مصدر ذلك المجتمع الذي كان مستعمراً، ولكن هذه المرة في آسيا، ماذا يعني أن تكون "عربياً"، أو "من أصل عربي" في عالم ذلك الأرخبيل المتعدد الأعراق والثقافات؟ وكيف تغيرت تلك المعاني والتواريخ والأسر بعد خمسة أو أربعة أجيال أو أكثر، ففي عام 1999 قضيت عاماً متنقلاً ما بين جاوة وسنغافورة، أعمل في الإعداد لبحث وتنقلت والتقيت ببعض الناس، وقد قدمني الأكاديميون في جاكرتا وسنغافورة بكرم إلى مجموعة واسعة من الناس، الأغلبية منهم بدت متحمسة وراغبة في الإجابة عن أسئلتي، وقد أبدى بعض الأكاديميين دهشة لأنني أولي اهتماماً كبيراً لهذا الموضوع، وتساءلوا في تهذيب لماذا يُمضي شخص وقته في البحث عن هذا الموضوع بينما هناك مجالات تستحق الاهتمام أكثر، ويبدو أن الفهرس المحدود للمصادر التي تتناول موضوع العرب هناك، يؤكد هذا الأمر، والآخرون وبصفة خاصة المنحدرون من أصول السادة الدينيين، مشغولون في تتبع شجرة عائلاتهم فقط.
ماذا يعني أن تكون عربياً؟
ما يثير الاهتمام هو أن بعض رجال الأعمال في جاكرتا ممن هم في مقتبل العمر، ابلغوني كيف أنهم أعادُوا اكتشاف جذورهم العربية خلال السنوات العشر الماضية أو نحو ذلك، وان ما قاموا به إنما يرتبط ببروز "الطبقة الوسطى المسلمة الحديثة" في اندونيسيا خلال الثمانينات من القرن الماضي، حيث خف التمييز ضد كل من يعتقد انه عربي، وكذلك مع ظهور الاتجاهات الإسلامية الحديثة والمحافظة من كل نوع، وشيوع تعريف الشخص بأنه مسلم متدين ينتمي إلى الطبقة الوسطى، فان تعريف الشخص بأنه عربي لم يعد يمثل مشكلة،
ويتذكر رجال الأعمال هؤلاء العبارات المُسيئة للعرب في الكتب المدرسية الهولندية كلمة كلمة، حيث كانت هذه الكتب تدرس لهم في المدارس، كما يتذكرون أيضاً كيف أنهم كانوا يخفون هويتهم العربية أو ينكرونها كل ما أمكن ذلك، وانه فقط خلال التسعينيات من القرن الماضي بدؤوا يلتقون معاً، ويعيدون تنظيم مجموعتهم التي كانت تضمهم اجتماعيا والتي توقفوا عن المشاركة فيها منذ أكثر من ثلاثين عاما، وأدت لقاءاتهم الاجتماعية هذه إلى تقديم المساعدة والتبرع للملاجئ والمؤسسات التربوية والمساجد والجمعيات الخيرية.
أبناء هذه المجموعة معظمهم من المهنيين، فابن صديقي المقرب في هذه المجموعة سافر إلى ألمانيا للالتحاق بالعمل في شركة سيمنز، وكان والده قد قضى سنوات في اليابان وهو يجيد طبخ الأطباق اليابانية، وصديق الابن المقرب صيني مسيحي، وابنة صديقي وهي من المهنيين، تهتم كوالدها بقضية البحث في شجرة العائلة ومعرفة أصولهم.
وأثناء البحث عن الماضي وإعادة صياغة تاريخ الأسر، استمعت لعدة روايات تنم عن الحنين وحول كيف أن البعض فقدوا ممتلكاتهم ووضعهم، وكيف تدمرت المساكن الكبرى الفخمة للأسر، واختفاء أساليب الحياة التي اعتادوا عليها، وتواروا وفقدوا الأهمية وسقطوا في الفقر، كما التقيت بعض الأثرياء من ملاك شركات البناء والتشييد، والوكلاء العقاريين وملاك العقارات والتجار وكذلك الناشرين وأصحاب المكتبات والصحافيين والأكاديميين، وصغار التجار وأساتذة التعليم الديني، أي من حققوا مستوىً معيشيا جيدا، وهنالك أيضا من يعيشون حياة عادية، وباختصار فهم يشكلون خليطا منوعا.
هوية جديدة ربطت بالعنف
عدت في مارس عام 2002 إلى المنطقة، حيث قضيت فترة خمسة أشهر هناك، وأقمت هذه المرة في سنغافورة وماليزيا، وخلال هاتين الزيارتين وقعت أحداث الاعتداءات على مركز التجارة العالمي والبنتاغون، وبات الإرهاب الإسلامي والعربي الموضوع الطاغي، الذي تتناوله الدول ووسائل الإعلام، وواجه مسلمو منطقة جنوب شرق آسيا ـ من ذوي الأصول العربية ـ مرة أخرى تركيز الرأي العام على هويتهم الاثنية، وأصبح الآن هناك تعريف إضافي لهذه الهوية يربطها بالعنف.
فالحرب في أفغانستان، والقاعدة والانتفاضة الفلسطينية الثانية في الأراضي المحتلة، وتفجيرات بالي في 12 أكتوبر 2002، والحشد العسكري لشن الحرب على العراق، كان يعني أن العنف "العربي" موجود في كل مكان، وتناولت الصحف مسألة الأصل اليمني لبعض قادة المجموعات الراديكالية وبصفة خاصة في اندونيسيا، وطرحت تساؤلات حول الوقت الذي أمضاه بعض العرب في اليمن حيث تلقوا تعليما دينيا من الذين ادعوا انه من النوع الذي يقود إلى التعقب، أما شرائط الفيديو والصور التي تحمل تسجيلا لزيارات أبناء العمومة في اليمن، التي اطلعت عليها كثيرا، وكانت غالبا بريئة، لم تعد كذلك.
فمن وجهة نظر وسائل الإعلام الغربية، نجد أن حضرموت باتت منذئذ تمثل بلد أسامة بن لادن، الذي هاجرت أسرته من هناك إلى الحجاز وليس إلى سنغافورة أو اندونيسيا، كما بات الجميع يُعرّف "عرب" جنوب شرق آسيا، ولكن ليس هذا هو ما تعنيه عبارة ذوي الأصول العربية في جنوب شرق آسيا بالنسبة إليّ.
جاوا "العربية"
وفي ابريل عام 2000م كنت في زيارة مالانغ، وهي مدينة مهمة حيث تأتي في المرتبة الثانية بعد ميناء سورابايا في منطقة شرق جاوا الصناعية والزراعية، وكنت قد زرت سورابايا عدة مرات من قبل، ولكن هذه المرة ذهبت بالسيارة لساعة ونصف الساعة جنوبا باتجاه الجبال إلى هذه المدينة التي أقامها الهولنديون إبان استعمارهم للبلاد، وهي تضم مليون نسمة، وقد شهدت أعوام السبعينات والثمانينات من القرن الماضي نمواً كبيراً، ومنذئذ أدت الأزمات السياسية والاقتصادية إلى تفكك حياة الناس، ولا يوجد حيٌ عربي في مالانغ، فهي ليست مثل سورابايا على سبيل المثال حيث تحيط منطقة امبيل بضريح ولي شهير يقال انه عربي، ويقال أن بركاته وراء ارتفاع أسعار المساكن في المنطقة، ولكن الناس يقولون إن هنالك جالية عربية صغيرة تضم بضعة آلاف في مالانغ قد تكون مهمة بالنسبة لي.
وتم تقديمي إلى احمد، احد وكلاء العقار البارزين، والذي ينتمي إلى أسرة ذات أصول عربية، ووالده في حوالي التسعين من عمره وهو يتميز بشخصية طاغية، ويتحدث العربية بطلاقة، فقد درسها على يد والده المهاجر الذي قدم من حضرموت، وبدأ العمل في تجارة الأقمشة في المدينة المجاورة، وقال لي إن هنالك مجموعة صغيرة من المنحدرين من أصول عربية، كما أن هناك القليل فقط من الأسر التي تحمل الاسم ذاته في مدن شرق جاوا مثل: تيغال وبيكالونغان وسول، وسورابايا ومالانغ ذاتها.
وجميع الزوجات في فرعه من الأسرة هن من الجاويات، وقد كان هنالك العديد من العرب، ولكنهم اختفوا كما يقال، وهو يردد دوما أن الانضباط والالتزام يصنعان الحياة، وان الأمور لم تعد كما كانت، إذ نجد الآن أن "وكيل العقارات العربي" شخصٌ يمتلك منزلين يقوم بترميمها وإصلاحهما وبيعهما، ثم يشتري منزلين آخرين ويبيعهما وهكذا، هل هذه تجارة؟ وأبناؤه في الخمسينات من العمر يتحلقون حوله وينتظرون أوامره وتوجيهاته.
وهو قد أعطاهم دروساً حول الإسلام والتجارة وألحق كل أبنائه (وعددهم 11 ابنا وبنتا) بجامعات الدولة بعد أن انهوا دراستهم في مدرسة مالانغ الكاثوليكية، وهو أمر غير عادي.
هذا الأمر لم يُعجب أصدقاءه المسلمين، غير أن العلم يجب أن يطلب في أي مكان، وإذا كانت المدرسة الكاثوليكية هي الأفضل فلا بأس في ذلك، وقال إن بناته أكثر انضباطا من أبنائه، وهو قول صريح أثار ضيق أبنائه بعض الشيء.
أصحاب رؤوس أموال
البعض في مالانغ لديه رؤوس أموال جمعوها خلال السنوات التي عملوا فيها بالتجارة في المملكة العربية السعودية والخليج، والقليل منهم زار حضرموت، وعادة بعد الذهاب إلى أداء فريضة الحج، ولديهم البومات صور من بلادهم لبعض الناس والمساكن، وتعليقاتهم عليها تنم عن الصدمة للأحوال الاقتصادية المتدنية وظروف الحياة المزرية التي يعيشها أبناء عمومتهم في قراهم الأصلية.
وقد أرسل البعض أحد أبنائه إلى حضرموت لكي ينشأ هناك ويتلقى التعليم في إحدى المدارس الدينية المعروفة ذات المستوى الجيد، وهو تقليد قديم عاد إلى الوجود مرة أخرى منذ الإطاحة بحكومة اليمن الجنوبي الشيوعية في عام 1990، وهناك آخرون يرون انه أمر جيد يعبر عن التدين، ولكنه يمثل هدرا للمال، فهم قد لا يقبلون نوع الآراء والفتاوى الدينية التي قد يجلبها أبناؤهم أو أبناء عمومتهم عند عودتهم، والعديد ممن التقيتهم يهتمون أكثر بالمهارات والقدرات التجارية التي يمكن تعلمها في استراليا أو غيرها، وكثيرا ما كنت اسمع تعبيرهم عن الأسف لأن أجدادهم وآباءهم العرب لم يولوا قضية التعليم أهمية كافية بل ظلوا يدفعون أبناءهم للعمل في النشاط التجاري للأسرة.
# جريدة القبس الكويتية

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق